الشيخ محمد هادي معرفة

453

التفسير الأثرى الجامع

أن ينكرها من يدّعي أنّ السحر حيلة وشعوذة أو غير ذلك ، ولا يستطيع أن يردّها من يدّعي أنّه من خوارق العادات ! قال : في « الملكين » قراءتان : فتح اللام وكسرها . وحمل بعضهم قراءة الفتح على قراءة الكسر . ويؤيّده ما قيل : إنّ المراد بهما : رجلان صاحبا وقار وسمت ، فشبّها بالملائكة ، وكان يؤمّهما الناس بالحوائج الأهليّة ويجلّونهما أشدّ الإجلال فشبّها بالملوك . وتلك عادة الناس فيمن ينفرد بالصفات المحمودة ؛ يقولون : هذا ملك وليس بإنسان . كما يقولون فيمن كان سيّدا عزيزا لا غنى للناس من الرجوع إليه : هذا سلطان زمانه . قال الأستاذ الإمام : لعلّ اللّه تعالى سمّاهما ملكين - بفتح اللام - حكاية لاعتقاد الناس فيهما ، وأجاز أيضا كون إطلاق لفظ الملكين عليهما مجازا ، كما قال بعض المفسّرين . « 1 » * * * وهكذا ذكر الأستاذ محمّد جمال الدين القاسمي ، قال : والذي ذهب إليه المحقّقون أنّ هاروت وماروت كانا رجلين متظاهرين بالصلاح والتقوى في بابل ، وكانا يعلّمان الناس السحر . وبلغ حسن اعتقاد الناس بهما أن ظنّوا أنّهما ملكان من السماء ، وأنّ ما يعلّمانه للناس هو وحي من اللّه . « 2 » وللأستاذ أحمد مصطفى المراغي توضيح لهذا الجانب ، لخّص فيه ما ذكره شيخه الأستاذ محمّد عبده قال : والملكان في هذه الآية هما رجلان شبّها ، إمّا بالملائكة ، لانفرادهما بصفات محمودة ، وقد جرت العادة أن يقولوا : هذا ملك وليس ببشر « 3 » . وإمّا بالملوك - في قراءة كسر اللام - كما يقال لمن كان سيّدا عزيزا يظهر الغنى عن الناس : هذا من الملوك . وكان الناس في عهد هاروت وماروت كحالهم اليوم لا يقصدون للفصل في شؤونهم الروحيّة إلّا أهل السمت والوقار ، الّذين يلبسون لباس أهل الصلاح والتقوى . « 4 »

--> ( 1 ) راجع : تفسير المنار 1 : 398 - 402 . ( 2 ) تفسير القاسمي 1 : 339 . ( 3 ) كما في قوله تعالى - حكاية عن نسوة مصر - : ما هذا بَشَراً إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ ( يوسف 12 : 31 ) . ( 4 ) تفسير المراغي 1 : 181 .